السيد علي الموسوي القزويني

595

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

يمكن تأخّره عن البلوغ كذا يمكن تقدّمه عليه . وجوابه أوّلا : أنّه أدلّ على خلاف المقصود من الاستدلال ، ضرورة أنّه لولا الفرق بين وقوعها قبل بلوغ الكرّيّة ووقوعها بعده لغى أخذ الشكّ قيداً في موضوع الحكم المجمع عليه ، والمفروض أنّه لا إجماع مع عدم اعتبار هذا الشكّ ، فظهر أنّ للشكّ المذكور مدخليّة في الحكم وبطل به دعوى تساوي الحالين مطلقاً . وثانياً : أنّ ذلك من جهة استصحاب الطهارة الأصليّة في الماء ، حيث إنّ بلوغ الكرّيّة مع وقوع النجاسة بكليهما أمران حادثان لا يجري فيهما الأصل ، فيبقى أصالة الطهارة سليمة . وثالثاً : أنّ ذلك لما سبق تحقيقه من أنّ أحكام النجاسة في نظر الشارع معلّقة على العلم بتحقّق أسباب النجاسة ولو شرعاً ، وأنّ مشكوك النجاسة عندنا محكوم عليه عنده بالطهارة ، ولا ريب أنّ المقام ممّا لا مدخل له في ذلك ، فبالجملة فرق بين المقامين والفارق هو الإجماع في أحدهما دون الآخر ، مضافاً إلى الأصلين المتقدّم إليهما الإشارة . وقد يجاب عنه - بعد ما قرّر بأنّه : لو لم يحكم بالطهارة بذلك لم يحكم بطهارة الماء الّذي وجد فيه نجاسة لم يعلم وقوعها قبل الكرّيّة أو بعدها - : " بأنّ الالتزام به ليس من المنكرات فلا يحكم عليه بالطهارة ولا النجاسة ، فهو لا ينجّس الطاهر ولا يطهّر النجس ، فيكون حاله حال المشكوك في كرّيّته إذا لاقته النجاسة في وجه قويّ ، لأنّه كما أنّ الكرّيّة شرط وقد شكّ فيها فكذلك الطهارة شرط وقد شكّ فيها " ( 1 ) . وفيه : أنّ ذلك لا يلائم الإجماع المدّعى على الحكم بالطهارة ، وكأنّه غفلة عن كون مستند بطلان التالي هو الإجماع كما يرشد إليه تجريد التقرير المذكور عن ذكره ، وقد وقع التصريح بالاستناد إليه في كلام جماعة على وجه يظهر منهم الاعتراف به ، وحكي الاعتراف به أيضاً عن الفاضلين ( 2 ) والشهيد ( 3 ) . هذا مع ما في مقايسة المقام على المشكوك في كرّيّته من الفساد الواضح ، لمنع أصل الحكم في المقيس عليه ، ضرورة أنّ المشكوك في كرّيّته إمّا أن يعلم له حالة سابقة من

--> ( 1 ) المجيب هو صاحب الجواهر ( رحمه الله ) ، راجع جواهر الكلام 1 : 316 . ( 2 ) قواعد الأحكام 1 : 184 . ( 3 ) ذكرى الشيعة 1 : 81 قال فيه : ولو علمه وشكّ في سبق النجاسة ، فالأصل الطهارة الخ أقول : وهذا كما ترى ليس من الاستناد بالإجماع .